https://alaqsasport.ps/web/images/logo.svg

لعبة الموت بين الرياضة والسياسة

تفاصيل

لعبة الموت بين الرياضة والسياسة


هل تصبح أولمبياد بكين رهينة عواصف السياسة ؟ .. بات هذا هو التساؤل الذي يشغل الجميع مع ظهور دعوات لمقاطعة هذا الحدث العالمي الكبير على خلفية أحداث التبت وما صاحبها من تصاعد التوتر بين الدولة المنظمة والغرب بشأن حقوق الإنسان ، فقد اشترط الغرب إجراء حوار بين زعيم التبت الدالاي لاما والحكومة الصينية فيما رفضت بكين بشدة هذا الأمر ، من هنا عاد  الحديث مجددا عن التأثير المتبادل بين الرياضة  والسياسة  .

وكالات ـ عبدالموجود سمير

فبالرغم من أن المبدأ الأساسي للحركة الأوليمبية الدولية هو إحراز السلام والإخاء بين الشعوب منذ القدم، حيث كانت الدويلات والدول التي تتحارب تعقد هدنة حتى تقام الدورات الأوليمبية، لكن منذ أن بدأت الدورات في عصرها الحديث عام 1896 باليونان تكاد لا تمر دورة أوليمبية إلا ويكون للسياسة دور فيها، بالرغم من أن أحد المبادئ الأساسية من الـ 13 مبدأ للحركة الأوليمبية يقضي بوقف تدخل أو استغلال الرياضة والرياضيين لأغراض سياسية، فالأصل أن تلعب الرياضة للسلام والتوفيق بين الدول لتكون عاملاً إيجابياًَ وليس سلبياً  .

                   استغلال الرياضة لتحقيق أغراض سياسية

فعلي مدار القرن الماضي، وجدت السياسة في الرياضة المجال المميز لتحقيق أغراضها، وحدث الداخل في أبرز صوره، فقد كان للحربين العالمية الأولي والثانية تأثيرهما الواضح في إلغاء دورات أوليمبية وبطولات كأس عالم.

واستغل الزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني بطولة كأس العالم عام 1934 والتي استضافتها بلاده للترويج لنظامه ، وهو نفس النهج الذي اتخذه الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر مع أوليمبياد برلين عام 1938، وعوقبت ألمانيا المنهزمة في الحرب العالمية الثانية بحرمانها من المشاركة في البطولات العالمية التي تلتها .

 وفي السبعينات عادت السياسة لتطل برأسها من جديد على الرياضة سواء عبر الهجوم الفدائي الفلسطيني على البعثة الإسرائيلية في أولمبياد ميونيخ عام 1972 لإيصال رسالتها إلي العالم حينذاك أو عبر المقاطعة الإفريقية لدورة مونتريال بكندا عام 76 بسبب التعامل مع جنوب أفريقيا العنصرية وقتذاك، وتصاعد الأمر إلى ذروته بالمقاطعة الأمريكية والغربية لاوليمبياد موسكو في سنة 1980، ورد الروس وحلفاؤهم بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس بعد أربع سنوات.

ورغم أن الرياضة كانت لها اليد الطولي في إعادة العلاقات بين أمريكا والصين إلي الدفء عبر كرة الطاولة، كما أعادت الدفء للعلاقات الأمريكية الإيرانية عبر لقاءات المصارعة وكرة القدم بين البلدين، رغم كل ذلك فإن السياسة عادت لتطل بوجهها المتجهم في وجه الصينيين المستضيفين لاوليمبياد 2008  أغسطس القادم.

فلقد أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة التبت وما ترتب عليها من صدامات عنيفة بين السلطة الصينية والمتظاهرين موضوع مقاطعة الألعاب الأوليمبية التي ستستضيفها بكين في أغسطس المقبل إلى الواجهة، وقذفت بها إلى المسرح الدولي .

لكن في البداية لابد أن نوضح، ما هو موضوع هذه التظاهرات؟ في عام 1950 قامت الصين بغزو التبت علي اعتبار أن الإقليم، حسب رأيها، وبشكل رسمي جزء من الدولة الصينية منذ القرن الثالث عشر، في حين يري أهالي التبت أن الهضبة مملكة مستقلة منذ قرون عديدة ويحكمها الدالاي منذ القرن السابع عشر .

وفي عام 1912 أعلن الإقليم استقلاله وتمتع بالحكم الذاتي حتى عام 1950 عندما غزته الصين . وفي السنوات الأولى سيطر الصينيون باستخدام القوة، وكان الجنود قساة في تعاملهم مع الناس، وتم طمس حضارة التبت وإغلاق أديرتها ومنع استخدام لغتها في الجامعات .

وفي الفترة الأخيرة قامت الصين كي تضفي الصبغة الصينية علي الإقليم، بإرسال العديد من المواطنين إلي الإقليم كي يتفوق تعدادهم تعداد سكانه الأصليين.

 والدالاي لاما هو لاجئ سياسي يرأس حكومة منفى في الهند منذ اجتياح القوات الصينية لبلاده في 1959. لكن حكومة المنفى هذه تملك من أسباب القوى والتمكين.. وتحظى بدعم واهتمام دوليين لم تكن لتحلم بجزء منهما لو أنها كانت مستقرة آمنة في بلدها الأصلي.

ومنذ أن اختيرت بكين لاستضافة الأولمبياد، ثارت ثائرة المنظمات الحقوقية حول العالم نظرًا لأن سجل الصين في مجال حقوق الإنسان لم يكن مثالياً تماماً، حسب رأيها فالحكومة الصينية تعتبر واحدة من أكبر الأنظمة القامعة لحريات التعبير في العالم، فالإنترنت هناك تحظى برقابة حديدية وتعتبر مثالاً يحتذي للسلطة الشمولية .

فالكثيرون رأوا في فوز بكين باستضافة أولمبياد 2008 مكافأة من الغرب وجائزة ترضية، كون الصين وفقت كثيرًا في الحفاظ على هونج كونج كقلب للرأسمالية العالمية وأبقتها بعيدة عن قبضة اقتصادها الشمولي عقب استعادتها من بريطانيا عام 1997.

بل إن الأمر تعدي ذلك بتحرير الصين أسواقها أكثر..واستفحلت أكثر في أسواق الغرب بين تقديم عطاءات استضافة أولمبياد 2008 .

لكن الكثيرين، انزعجوا لمنح الاوليمبياد إلي بكين، وما إن وقعت أحداث التبت حتى وجدوها الفرصة الذهبية لتهديد الدولة التي تهدد الجميع عبر تنامي قوتها واتساع نفوذها الذي يزعج العديد من القوى العالمية، ما يدفع البعض إلى التركيز على جوانب قصور النظام ووضعها تحت الأضواء الكاشفة، وهؤلاء ليس لهم علاقة بحقوق الإنسان بل تحركهم عوامل سياسية، هدفها الضغط على الصين ومضايقة الخصم الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة.  

الدعوات لمقاطعة الدورة

وكانت أحداث التبت هي الشرارة التي أطلقت الصيحات في العالم كله بمقاطعة الاوليمبياد إلا أن الحديث عن المقاطعة لم يكن وليد الأيام السابقة، وظهرت شرارتها الأولي عندما انسحب المخرج العالمي الأمريكي الشهير ستيفين سبيلبرج من العمل كمستشار فني للدورة مبررا سبب الانسحاب بأنه احتجاج رسمي على الموقف الذي تتبعه الصين في إقليم دارفور السوداني.

 إلا أن الدعوات المتزايدة للمقاطعة بلغت ذروتها في الشهرين الماضيين عقب أحداث الشغب في مقاطعة التبت، فقد حض البرلمان الأوروبي زعماء الدول الـ 27 الأعضاء في المنظمة الأوروبية على التفكير في مقاطعة جماعية لافتتاح الألعاب الاولمبية.

وشدد الممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمن المشترك للاتحاد الأوروبي خافيير سولانا علي ألا تتخلي أوروبا عن عزمها مع اقتراب موعد الألعاب بين 8 أغسطس و24 منه.

وخاطب النواب الأوروبيين: علينا أن نواصل الضغط...آمل في أن تأخذ السلطات الصينية بمطالب الاتحاد الأوروبي'. وذكر بأن اجتماعاً يعقد في 15 مايو المقبل مع مسئولين صينيين للبحث في حقوق الإنسان، يمكن أن يشكل اختراقاً

كذلك، دعت بلجيكا الدول الأوروبية إلى موقف مشترك من مقاطعة محتملة لافتتاح الألعاب الاولمبية، بحلول نهاية مايو

وأعلن رئيس الوزراء البريطاني جوردون براون أنه لن يحضر الافتتاح، وإن كان سيكون متواجدًا في حفل الختام حتى يتسلم الشعلة التي ستستضيفها لندن عام 2012

ورغم هذه الدعوات الأوروبية إلا أنه من المستبعد أن تقاطع هذه الدول الدورة مقاطعة كاملة للدورة، إلا أن غياباً جماعياً عن الافتتاح سيشكل إشارة قوية للتعبير عن الاستياء من طريقة  تعامل السلطات الصينية مع أزمة التبت

كما لم يستبعد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي أن يتخذ موقفاً مماثلاً، حيث رد علي تساؤل حول احتمال مقاطعته الألعاب قائلا إن 'كل الخيارات مفتوحة' .

كذلك صرح  رئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بأنهما لا ينويان الحضور في حين ترك البيت الأبيض الباب مفتوحاً لاحتمال مقاطعة الرئيس جورج بوش الافتتاح، رغم النداءات الكثيرة من داخل الولايات المتحدة التي طالبت الرئيس الأمريكي بالمقاطعة .

فقد حثت هيلاري كلينتون الساعية للفوز بانتخابات الحزب الديمقراطي في سباق الرئاسة الأمريكية، ومن قبلها رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي، بوش على مقاطعة حفل الافتتاح إذا لم تحسن الصين سجلها لحقوق الإنسان، مشيرة إلى المصادمات العنيفة التي وقعت في التيبت وعدم ممارسة الصين ضغطاً على السودان لوقف الإبادة الجماعية في دارفور.

 وقالت:في هذا الوقت وفي ضوء الأحداث الأخيرة أعتقد أنه يتعين على الرئيس بوش ألا يخطط لحضور احتفالات الافتتاح في بكين ما لم تحدث تغييرات كبيرة من الحكومة الصينية.

كما عبر المرشح الرئاسي الديمقراطي باراك أوباما عن انزعاجه عما يجري في التيبت وقال إنه نقل مخاوفه إلى الرئيس جورج بوش لكنه لم يدعه إلى مقاطعة حفل افتتاح الأولمبياد كما فعلت منافسته هيلاري كلينتون .

إلا أن بوش ورغم كل هذه الضغوط الرامية إلي إثنائه عن الحضور، أعلن اعتزامه التواجد في حفل الافتتاح وقال البيت الأبيض في بيان'لم نخش قط التعبير عن هذه الآراء، إن إدارة بوش تتوقع مشاركة الرياضيين الأمريكيين في الدورة الأوليمبية .

ورغم هذه الدعوات إلي مقاطعة رأت الكثير من الدول أنه لا جدوى من مقاطعة الدورة، حيث إنه لا ينبغي خلط السياسة بالرياضة، فقد قال رئيس الوزراء الدنماركي أندرس فوج راسموسن أن حكومته تعارض  مقاطعة اولمبياد بكين، مؤكدًا أن ممثلين سيحضرون من الأسرة الملكية الدنماركية  والحكومة هذا الحدث ، وقال 'لا يجب خلط الرياضة بالسياسة.' إن الدنمارك يجب أن  ترسل وفود رسمية لبكين لدعم مشاركة رياضييها في الاولمبياد. 

كما قال رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيكو إن مقاطعة اولمبياد بكين عديمة الجدوى، مضيفًا: إن الرياضة يجب أن تجمعنا ولا تفرقنا وان المقاطعة ستؤذي فقط الرياضيين. 

كما قال ميجول انجل موراتينوس، وزير الشئون الخارجية والتعاون الاسباني أن بلاده ستحضر أولمبياد بكين

 وقال وزير الخارجية الاسترالي ستيفان سميث انه لا يعتقد 'إن مقاطعة الاولمبياد أمر معقول أو شيء صحيح يجب عمله' وان  بلاده لن تقاطع اولمبياد بكين. 

وأكدت الكثير من الدول علي أن مبدأ المقاطعة مرفوض من الأساس فقد أعربت دول إيران والأردن وقطر ، والنرويج وسنغافورة ونيوزيلندا عن معارضتهم للمقاطعة .

مسيرة الشعلة  وطالبوا إطفائه

ووجهت الشعلة منذ إيقادها اعتراضات عدة، بدءًا من إشعالها في جبل أوليمبوس مهد الألعاب الأولمبية القديمة في اليونان تحت حراسة أمنية مشددة، بعد محاولات من أشخاص عدة الاقتراب من المنصة الرسمية التي ألقى عليها أحد المسئولين في اللجنة الأولمبية المنظمة للدورة خطابًا في هذه المناسبة، ورفع المتظاهرون يافطة كتب عليها 'قاطعوا الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان' في حين صرح شخص آخر من وراء المنصة الرسمية 'حرية حرية.

لكن أبرز الصعوبات التي واجهتها الشعلة عبر رحلتها في لندن وباريس، فقد حاول المتظاهرون في عاصمة الضباب اختطاف الشعلة، مما حدا بالسلطات الأمنية إلي إجراء تعديلات علي مسيرتها، وفي باريس قاطع ناشطون مسار الشعلة ووقعت صدامات بينهم وبين الشرطة بعد أن أجبروا حاملي الشعلة على إطفائها ثلاث مرات واللواذ بحافلة وإلغاء المراحل الأخيرة في المسار الباريسي .

وخوفًا من تكرار هذا السيناريو في الولايات المتحدة غيرت السلطات الأمريكية مسار الشعلة وتم إبعادها عن آلاف المتظاهرين الذين احتشدوا قرب شاطئ خليج سان فرانسيسكو للتعبير عن احتجاجهم، وقد نقلت السلطات مكان الاحتفال الذي كان مقررًا إقامته على الشاطئ إلى مكان آخر تحسبًا لوقوع صدامات بين المحتجين والمؤيدين للصين.

كما تم تغيير مسار الشعلة في اللحظة الأخيرة، وقام مسئولون بحمل الشعلة على متن شاحنة صغيرة ساروا بها لمسافة كيلومترين ثم سلموها لاثنين من العداءين بعيدا عن عيون المتظاهرين والإعلاميين، وسار بها العداءان في اتجاه جسر البوابة الذهبية في الطرف الأخر بعيدًا عن مكان تجمع المتظاهرين.

وبالرغم من هذه الاعتراضات توقع رئيس اللجنة الأولمبية الدولية جاك روج أن تنهض دورة ألعاب بكين من تعثرها وتحقق النجاح المطلوب رغم الاحتجاجات المناهضة للصين التي اعترضت سير الشعلة الأولمبية.

 وعبر روج عن حزنه لما لقيته الشعلة من احتجاجات في لندن وباريس، لكنه اعتبر أن رحلتها في مدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة حققت تقدما قياسًا إلى رحلتها في العاصمتين الأوروبيتين المذكورتين .

لكن هذه الأحداث ألقت بظلالها علي أعضاء اللجنة الأوليمبية، فقد أشار مسئولون في اللجنة الأوليمبية الدولية إلى أنهم سيدرسون احتمال إلغاء رحلة الشعلة حول العالم في المستقبل بعد دورة بكين، عقب الحوادث التي رافقت مسارها في باريس ولندن.

وأوضح أحد أعضاء اللجنة الأوليمبية كيفان جوسبر أن اللجنة ستبحث في مستقبل رحلة الشعلة الأولمبية حول العالم وإمكانية حصر مسارها في الدولة التي ستستضيف الألعاب فقط، مؤكداً في الوقت نفسه أن الرحلة الحالية للشعلة لأولمبياد بكين لن تتوقف.

وتنطلق رحلة تتابع شعلة أولمبياد بكين 2008 ترجمة للفكرة الأساسية المتمثلة في رحلة الوئام تحت شعار 'الشغف المشتعل.. الحلم  المشترك' وسوف يمر لهب الشعلة عبر 22 مدينة من مدن القارات الخمس وعبر جميع مقاطعات الصين وأقاليمها وبلدياتها قاطعة مسافة 137000 كم  خلال 130 يوما .

آخر الأخبار